أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيشرفنا أن تقوم بالتسجيل والمشاركة معنا
إذا أعجبك المنتدى يمكنك أن تضغط على زر أعجبني أعلى الصفحة .... شكرا لزيارتك


(( الحكمــة لله وحــده ، وإنمـا للإنسان الاستطاعـــة في أن يكون محبًا للحكمة تواقًا الى المعرفة باحثًا على الحقيقة )) سقراط.
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  تسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء  
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
المواضيع الأخيرة
» " فينومينولوجيا المعيش اليومي" من منظور المفكر مونيس بخضرة .
الإثنين أبريل 17, 2017 2:59 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
السبت أبريل 15, 2017 2:26 am من طرف الباحث محمد بومدين

» كتاب فاتحة الفتوحات العثمانية
الخميس أغسطس 18, 2016 2:21 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» برنامج قراءة النصوص العربية
الخميس أغسطس 18, 2016 2:12 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» إشكالية الحرية فى الفكر الفلسفى
الخميس ديسمبر 17, 2015 11:19 pm من طرف soha ahmed

» المغرب في مستهل العصر الحديث حتى سنة 1603م
الأربعاء نوفمبر 25, 2015 8:24 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
الأربعاء نوفمبر 18, 2015 8:41 pm من طرف الباحث محمد بومدين

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
الأربعاء نوفمبر 18, 2015 8:33 pm من طرف الباحث محمد بومدين

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
الأربعاء نوفمبر 18, 2015 8:30 pm من طرف الباحث محمد بومدين

» دخول اجتماعي موفق 2015/2016
الجمعة سبتمبر 04, 2015 4:07 am من طرف omar tarouaya

» أنا أتبع محمد...
الإثنين يناير 19, 2015 3:08 pm من طرف omar tarouaya

» بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة
الإثنين ديسمبر 01, 2014 2:12 pm من طرف omar tarouaya

» مرحيا يالاعضاء الجدد
السبت أكتوبر 11, 2014 11:16 pm من طرف omar tarouaya

» لونيس بن علي، التفكير حول الدين ضمن الحدود الإنسانية للمعرفة
الأحد أغسطس 31, 2014 12:55 am من طرف عبد النور شرقي

» تحميل كتاب الحلل البهية في الدولة العلوية الجزء الثاني
الخميس أغسطس 28, 2014 1:33 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» في رحاب الزاوية الحجازية بسطيف
الأحد أغسطس 17, 2014 12:37 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» العز والصولة في معالم نظام الدولة
الجمعة أغسطس 15, 2014 2:41 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير ( 12 مجلدا )
الخميس أغسطس 14, 2014 11:10 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  كتاب حول تاريخ الحضنة والمسيلة وما جاورها
الإثنين يوليو 28, 2014 11:23 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  كتاب مهم في الانساب الجزائرية
الإثنين يوليو 28, 2014 11:22 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

سحابة الكلمات الدلالية
مقال الفلسفي الفلاسفة مفهوم الامام المسلمين صورة نظرية ورسائل الحروب المغلق معلومات النسق السلطة مقالة محمد فلسفي البحث السؤال الحسن المنطق الفيض بومدين الانسان الحاكم الفرق

شاطر | 
 

  عن ثقافة الالتباس في الإسلام

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد النور شرقي
محارب
محارب
avatar

الإبداع .
عدد المساهمات : 390
التقييم : 18
تاريخ التسجيل : 23/09/2010

مُساهمةموضوع: عن ثقافة الالتباس في الإسلام   الخميس يناير 05, 2012 12:44 pm

مداخلة
صوتية عبر النــات تقدم بها الأستاذ رشيد بوطيب يوم 2011/11/21 تحت اشراف
فضاءات فلسفية ... الصفحة مشاركة بمشاريع الرابطة العربية الاكاديمية
للفلسفة و بالتنسيق مع اللقاء الالكتروني لـ : شباب "فكر التنموية" الرياض،
السعودية
وهذه ورقة المداخلة مكتوبة


عن ثقافة الالتباس في الإسلام
رشيد بوطيب
1ـ مقدمة: عن مفهوم "التسامح مع الالتباس"
"ثقافة الالتباس، تاريخ آخر للإسلام"،
عنوان كتاب عالم الاسلاميات الألماني توماس باور الصادر مؤخرا عن دار الأديان
العالمية في برلين، وهو الكتاب الذي ستتمحور حوله كلمتي وإن كنت سأعرج على كتب
أخرى، لكن فقط لأجل الاقتراب أكثر من كتاب باور وأطروحته المركزية. دعوني أبدأ
أولا من عنوان الكتاب. إن أول شيء
يستوقفني ولربما يستوقفكم أيضا هو كلمة الالتباس التي درجنا على استعمالها بشكل
سلبي، فما هو ملتبس، هو بالضرورة غير واضح وبالتالي يتوجب معالجته وتحريره من
التباسه. ومع ذلك فنحن نعيش، في أغلب الأحيان عن غير وعي، حياة ملتبسة بامتياز،
لأن الالتباس في أحد معانيه هو أن يعيش بداخلنا أكثر من شخص، وأكثر من حقيقة وهو
أن نعيش التناقض ونأنف من اتخاذ قرارات نهائية. إن التسامح مع الالتباس كما تشرحه
عالمة النفس الأمريكية الألمانية الأصل[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
إيلزه فرينكل برونشفيك في أربعينيات القرن الماضي هو قبول واحتفاء بالتعدد.
وهي تؤكد بأن الأشخاص الذين يرفضون الاعتراف بتقلبهم العاطفي يتصفون بنوع من
اللاتسامح مع الالتباس على المستوى المعرفي. لتخلص إلى أن الأمر يتعلق بمتغيرين
أساسيين للشخصية تنعتهما بالتسامح واللاتسامح مع الالتباس، فالشخصية غير
المتسامحة مع الالتباس تميل الى منطق الأبيض والأسود، وتنتهي إلى أحكام سريعة
ونهائية، وغالبا في ظل إغفال للواقع، كما تميل الى رفض أو قبول الناس الآخرين بشكل
حر من الالتباس ولا أساس له. ولهذا لا عجب أن تجمع برونشفيك بين العنصرية وعدم
التسامح مع الالتباس، وقد نشرت نتائج بحثها أيضا في الكتاب الذي أصدره أدورنو
وآخرون في أمريكا تحت عنوان: "الشخصية المتسلطة". أبحاث أخرى تعرضت لمسألة الالتباس ومنها من ربط
بين غياب التسامح مع الالتباس والدوغمائية الدينية أو أن شخصيات من هذا النوع
توافق على فرض الرقابة إلخ.. وقد انتقل المفهوم أيضا إلى ميدان علم الاجتماع، كما
هي الحال لدى دونالد ليفين وكتابه "الهروب من الالتباس"، ليفين الذي عمل
ثلاث سنوات في إثيوبيا، يؤكد في كتابه بأن الخوف أو رفض الإلتباس هو طريق خاص
بالغرب ولم تعرفه الثقافات الأخرى، تماما كما أكد البابا بنيدكت السادس عشر في
حواره مع هابرماس بأن سيرورة الدنيوة أو العلمنة طريق خاص بالغرب ولا يملك أي صلاحية كونية. إن ليفين
يؤكد بأن الالتباس لعب دورا مركزيا في الثقافات التقليدية ووظائف متعددة داخل
مجتمعاتها، أهمها في رأيي تأكيده أن التسامح مع الالتباس يساهم في بناء نوع من
التضامن الاجتماعي ويتجنب الصراع لأنه يحول دون اتخاذ مواقف واضحة.[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] أما الكلمة الثانية التي تستوقفني في عنوان
الكتاب، فهو وصف باور لتاريخه الثقافي الذي يقدمه عن الإسلام بكلمة الآخر، وكتابة
"تاريخ آخر" تقليد معروف في
ميادين كثيرة، فقد نكتب تاريخا آخر للثورة الفرنسية كما فعل أناطول فرانس في
روايته الآلهة العطشى، أي تاريخا غير رسمي أو تاريخا يأخذ بعين الاعتبار قضايا
أغفلها عن وعي أو غير وعي التاريخ الرسمي، أو نكتب تاريخا يهتم بالهوامش والمسكوت
عنه والمكبوت في الأعماق كما فعل فوكو مع الجنون أو الجنس أو العقلانية الخ.. . إن
الإعلان عن تاريخ آخر لا يتضمن بالضرورة رفضا للتاريخ الرسمي، لكنه يرفض هيمنة
الرواية الرسمية وزعمها امتلاك الحقيقة النهائية. إنه يسلط الضوء على ما نساه أو تناساه الكرونيكور
الرسمي. وكتابة تاريخ ثقافي آخر للإسلام، ليس بالمهمة السهلة في حقبة يعتقد فيها
المرء بأنه يمسك بحقيقة هذا الدين، سواء في الغرب حيث ينظر إليه كدين قمع ومنبع
للعنف أو في الشرق كالدين الوحيد الذي يملك الحقيقة والذي يجيب على أسئلة الدنيا
بأكملها. الموقفين معا ينهجان ما يسميه باور بفرض الطابع اللاهوتي على الإسلام،
ولا يقولان الشيء الكثير عن ثقافة الإسلام وتاريخه وتاريخه الثقافي، بل كل شيء عن
"حقيقته" المزعومة، حقيقة توجب عليها أن تكون واضحة ونهائية، وأن لا
تسمح بالشك والتفكير. لكن ثقافة الإسلام ليست حقيقته، ولا يمكن اكتشافها إلا إذا
غادرنا منطق الحقيقة. هذا على الأقل ما
حاوله عالم الإسلاميات الألماني في كتابه الأخير.


2ـ تمظهرات التسامح مع الالتباس في الثقافة الإسلامية الكلاسية

يؤكد توماس باور في كتابه[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] بأن الصورة السائدة اليوم في
الغرب عن الإسلام، هي في جزء كبير منها، من إنتاج الغرب ذاته، الذي رفض بشدة، وفي
نوع من المرضية، استمرار حقائق أخرى إلى جانبه، بخلاف مجتمعات غيره، تميزت بتعايش
وتجاور لحقائق ومعايير مختلفة، كان الإنسان بداخلها يكتفي بالمحتمل وينفر من
المطلق، ويجد متعة في الالتباس، وهو ما ميز إلى حد كبير الثقافة الإسلامية
الكلاسية، كما بين باور، الذي يقدم في كتابه، تاريخا ثقافيا للإسلام، يتناول فيه
مجالات الإبداع الأساسية وتمظهرات الحياة في المجتمعات الإسلامية، مؤكدا بأن هذا
"التسامح مع الإلتباس"، عاشه العالم الإسلامي لقرون طويلة، لكنه عرف
نهايته على يد الإستعمار. وهذه أطروحته الأساسية.
لقد اتفقت الأصوات في الغرب بنظره على وسم الثقافة الإسلامية بالأحادية
والعنف، رغم أن الغرب لعب دورا كبيرا في تطور هذا الاتجاه العدائي للالتباس داخل
هذه الثقافة، إذ اتسمت سيرورة التحديث في العالم العربي بتدمير للالتباس، وأضحى
الاختلاف، الذي كان بالأمس رحمة، اليوم نقمة بنظر الحداثويين والمحافظين على حد
سواء، يتوجب تجاوزه إلى تأسيس حقيقة واحدة وخطاب "عقلاني"
و"واضح". إن دراسة العلاقة بين الثقافة والالتباس داخل السياق الإسلامي،
من شأنه أن يسلط الضوء على الثقافة الإسلامية من جهة وعلى الحداثة الغربية من جهة
ثانية. وثقافة الإلتباس تقوم على تعدد المعاني والحقائق والمراجع وتعايشها، بشكل
لا يسمح لأحد ادعاء الحق لنفسه ووصم الآخرين بالباطل، بل إنها تقبل بتجاور معايير
متناقضة في الآن نفسه، وهذا ما ميز الثقافة الإسلامية بنظر باور عن نظيرتها
اليونانية، على الأقل في خطها الأرسطي، وعن الثقافة الغربية الحديثة، والتي، وإن
شهدت نوعا من "التسامح مع الإلتباس" في المرحلة السابقة على الحداثة ـ
ما سمي بعصر "الباروك الأوروبي" ـ، إلا أن "التنوير" سرعان ما
أجهز على ذلك، فمشروعه قام على تجاوز الإلتباس وبناء لغة واضحة، تجب اللبس وتنفر
من الاختلاف، فهذا كانط يصف موقف جاكوبي النقدي من العقلانية في رسالته إلى
مندلسون ودفاعه عن الإيمان بالشطط، وهذا كوندورسي يحلم بلغة شاملة، تجعل كل خطأ،
أمرا مستحيلا، لغة أشبه بالرياضيات.. إن الحرب على الإلتباس، كما أوضح ذلك عالم
الاجتماع دونالد ليفين، سمة تميز الثقافة الغربية منذ القرن السابع عشر، وهو أمر
لا نجد له مثيلا داخل ثقافات أخرى، وخصوصا داخل الثقافة الإسلامية منذ القرن
السابع وحتى القرن التاسع عشر، إذ بعدها
ستدخل هذه الثقافة عصرا جديدا، قد نسميه بـ "الحقبة الغربية"، التي
ستفرز حركات أيديولوجية، كفاحية، مغلقة، كالحركة القومية العربية والحركات
الإسلاموية واليسارية، وهي حركات تشترك في رفضها للثقافة الإسلامية الكلاسية،
ستعمد إلى استنساخ النموذج الديكارتي، المعادي للالتباس والمنافح عن الحقيقة
الواضحة والواحدة. إن الانتقال من الموقف التقليدي، المتسامح مع الالتباس إلى موقف
حداثي معاد للالتباس يأخذ، بنظر توماس باور، شكلين مختلفين. أحدهما يستنسخ التجربة
الغربية ويحكم على التراث بالموت، إذ تبدو الثقافة العربية ـ الإسلامية، في وجهة
نظره، ثقافة متكلسة ومنحطة، ولا نهوض للعرب إلا باقتفاء خطى الغرب، أما الشكل
الثاني، فهو الذي يتجسد في الحركات الأصولية، التي تطلب العودة إلى عصر الإسلام
الأول، وتطمح لبناء أيديولوجية متحررة من الالتباس، قريبة من مثيلاتها الغربية. إن
الشكلين معا يتناقضان مع روح الثقافة الإسلامية، التي، وكما أوضح باور، انطلاقا من
كتابات عربية كلاسية، كانت ثقافة مفتوحة ومتعددة، وليست نصوصا خطية البنية، مغلقة
الدلالة، وهو ما يتناقض مع "اليقين الديكارتي" المؤسس للحداثة، وما يجعل
الثقافة الاسلامية الكلاسية أقرب إلى روح
ما بعد الحداثة، ولم لا وعلماء الإسلام الكلاسيكيين، رأوا في هذا التعدد، الذي
يشتغل حتى داخل النص المؤسس، دليل رحمة وشهادة إعجاز، تعدد يلحظه توماس باور في
المذاهب الفقهية المختلفة أيضا وفي روح الاجتهاد الذي عرفته ومعها ميدان القضاء،
وهو تعدد كان الفقيه أو القاضي المسلم واع به وبضرورته، ولربما نجد في جواب إمام المدينة
مالك بن آنس، الذي ذكره السيوطي، على رغبة الخليفة المنصور بفرض كتبه على أقطار
الدولة الإسلامية، خير شاهد على ذلك. إذ رفض مالك بن آنس ما اقترحه المنصور، مفضلا
أن يترك الخليفة للناس حرية الاختيار، وهو ما يتناقض اليوم بشكل صارخ مع شعار
"لا مذهبية في الإسلام"، ويفضح النزعة الاختزالية لهذا الاتجاه
الأيديولوجي الغريب عن ثقافة الإسلام، والذي يلتقي، من حيث لا يشعر، بالأحكام
المسبقة للمدرسة الإستشراقية، هذه المدرسة التي ما برحت تسم كل المجالات العلمية
والإبداعية داخل الثقافة الإسلامية بصفة "الدينية" أو "الإسلامية"،
أي تربطها بالبعد الديني وحده، رغم أن الطبيب في العالم الإسلامي كان يمارس مهنته
وفقا لقوانينها الخاصة بها، كما كان الشاعر يؤلف قصائده بعيدا عن تدخل رجل الدين،
واختلفت العلاقة مع هذا الدين لدى رجل القضاء عنها لدى عالم الكلام أو المتصوف، ما
يفنذ، لا غرو، الربط الذي يقيمه الاستشراق بين الدين والثقافة الإسلامية، وزعمه
بأنها ثقافة محكومة بالدين. أليس ذلك ما أراد قوله أحد كبار المستشرقين فون
غرونباوم وهو يؤكد بأن سلطة الإسلام تشمل كل مناحي الحياة وأنه دين يرسم حياة
الإنسان من المهد إلى اللحد وبكل تفاصيلها اليومية؟ إن إسلام فون غرونباوم لم يكن
موجودا قبل القرن التاسع عشر، يقول توماس باور، مردفا بأن هكذا إسلام لا يوجد إلا
في رؤوس المستشرقين والمتطرفين، مؤكدا بأن الثقافة الإسلامية الكلاسية، كانت ثقافة
حياة بامتياز، ومستشهدا بنيتشه واحتفاءه بالثقافة الأندلسية. إن موقف نيتشه، الذي
عبر عنه في "الأنتي ـ كريست" يختلف جذريا عن موقف الحداثويين العرب من
الثقافة الإسلامية الكلاسية، الذين ذهب بعضهم كطه حسين وأحمد أمين مثلا، حتى لا
نذكر إلا الأسماء التي ساقها توماس باور، إلى نعت الثقافة العباسية بالإنحطاط
الأخلاقي والديني. يرى باور أن هذا الموقف
المتطرف لا يمكن فهمه، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار المعين الذي استقى منه
الحداثويون العرب أفكارهم وأحكامهم، فالتاريخ العربي جرت قراءته إنطلاقا من مفاهيم
غربية للتاريخ والحضارة، وهي مفاهيم ليست بالضرورة كونية ولكنها تدعي ذلك. لقد بدأ
الغرب اليوم بمراجعة حداثته وتفكيك مشروع التنوير، لكنه مازال يتناسى في أحكامه
التي يصدرها على العالم الإسلامي، ومنها أنه عالم معاد للمرأة وللحريات الفردية
وللتعدد الثقافي وللحريات الجنسية إلخ... أنه ساهم بشكل كبير في بناء هذا العالم،
بل وفي الإجهاز على "تعدده" وهو يروج لحقيقة الحداثة الشمولية، إذ رغم
أن الإسلام ديانة وحدانية، تتمحور حول حقيقة واحدة، تجب ما قبلها وغيرها، إلا أن
ذلك لا يكفي، لكي نصدر حكما نهائيا، كما فعل يان آسمان، على الثقافات التوحيدية.
فالسؤال، بحسب توماس باور، هو عن المكانة التي احتلتها هذه الحقيقة الواحدة، داخل
هذه الثقافة، وهل سيطرت فعلا على هذه الثقافة أم ظلت على هامشها وتبددت فيها. وهنا
أقترح ضرورة التمييز بين النص القرآني والنص الإسلامي. فإذا كان النص الأول، كأي
نص مؤسس هو نص ـ حقيقة، قامت على أنقاض
حقيقة أو حقائق أخرى، الأديان والمعتقدات السابقة، وككل نص مؤسس، هو نص مقدس أو
يتخذ لنفسه صفة القداسة فإن النص الإسلامي
ـ أو النصوص الثانوية ـ هو نص متعدد وملتبس ولا يدعي القداسة لأنه نص دينوي
بامتياز وقد يقوم أحيانا على التمرد على
النص المؤسس، ويبني معه علاقة أقرب الى الباروديا والسخرية، وهو في ذلك لا يلغيه
بقدر ما يعلن وفاءه له، لكن وفق منطق آخر لا تفهمه الثيولوجيا.
لم تعرف الثقافة الإسلامية الكلاسية حروبا دينية على
النمط الغربي، ولم تفرز نزعات شمولية
تطالب بالاعتقاد بحقيقة واحدة، كما
لم تنزع صفة الآدمية عن الشعوب الأخرى "فكلكم لآدم، وآدم من تراب" ولم
تبعث باليهود إلى المحرقة، لأنها كانت ثقافة التباس بامتياز، وهو ما يفنذ بحسب
باور المزاعم القائلة باستحالة الفصل بين الدين والدولة في الإسلام، والتي لا تطلب
سوى تأكيد أن الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية. وفي سياق حديثه عن تسامح الأغلبية
المسلمة مع الأقليات الدينية الأخرى، عرج باور على كتاب المؤرخ اليهودي، مارك
كوهين "بين الهلال والصليب/ وضع اليهود في القرون
الوسطى". لقد وضع كوهين نصب عينيه
مهمة الإجابة عن الأسباب التي جعلت القرون الوسيطة الإسلامية أكثر أمنا وسلاما
بالنسبة لليهود مما كانت عليه حياتهم في شمال أوروبا وغربها. إنه يريد التدليل على
أن الاضطهاد الإسلامي لليهود كان أقل بكثير من الاضطهاد المسيحي لهم. ويعرج في
الفصل الثاني من كتابه على قراءة الموقف الثيولوجي للمسيحية والإسلام من اليهودية،
ويسجل اختلافا جوهريا في الموقفين. فالإسلام لم يأت كتحقيق إلهي لليهودية،لأن
الإسلام وفقا للرواية القرآنية دين ظهر قبل اليهودية والمسيحية، إنه دين إبراهيم،
إنه دين التوحيد الذي دنس. كما أن الإسلام يلتقي في كثير من مبادئه وطقوسه مع
اليهودية، إضافة إلى أنه، وكما يقول
كوهين:"تقع عادة الإشارة إلى اليهودية في المصادر الإسلامية بـ "شريعة اليهود". هذا الأمر يختلف
مع العبارات اللاتينية السلبية الشائعة التي تطلق على اليهودية مثل "قانون
اليهود" والألقاب المنتقصة كـ "خرافات اليهود" و"خداع
اليهود". إذ في الوقت الذي يعكس فيه المعجم المسيحي بالنسبة إلى اليهود واليهودية،
العداء والحقد، فإن التعبير الإسلامي يحمل
اعترافا بمفاهيم وقيم دينية متبادلة."[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

يفضح باور النزعة التوتاليتارية داخل الحداثة
الغربية، التي لا تقبل بغير منطق الشبيه، فهي تطالب العالم الإسلامي، ليس أن
يتعلم منها أو يتحاور معها ولكن أن
يقلدها، لأن في ذلك تأكيد إضافي لحقيقتها.
فهذا عالم السياسة الألماني فولفغانغ ميركل يقول بأن الإسلام لم يعرف تنويرا
حقيقيا، رغم المحاولات المتكررة، لأنه اصطدم دائما بقضية الفصل بين الدين والدولة،
وهذا مستشار ألماني سابق، هيلموت شميدت، يرفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي،
بدعوى أنها لم تعش حقبة مماثلة لحقبة النهضة الأوروبية. إن الحداثة الغربية في
خطها الكفاحي، لا تقبل إلا بتاريخ خطي البنية، أحادي البعد، امبريالي المعنى، وهو
ما عبرت عنه "فكرة التقدم"، فهو تاريخ لا مكان فيه لتواريخ أخرى، إلا في
ماض سحيق، سحقته الحداثة وتجاوزه التطور، فلا يبقى، أمام هذا الواقع، للثقافات
الأخرى، من بديل آخر، سوى استنساخ تاريخ الأقوياء والتماهي مع رموزه وأفكاره
وأشكاله، إذ الحداثة لا تقبل بغير ذلك، فهي تنظر، كما بين عالم الاجتماع البولندي
تسيغمونت باومان إلى الآخر، المختلف، "كسم قاتل"، أو كخطر على نظام
الأنا، يجب التخلص منه ومن جرعة الالتباس التي يحملها، مؤكدا في كتابه
"الحداثة و الالتباس" بـأن الالتباس الذي لا تستطيع الذهنية المعاصرة
تحمله والذي تعمل المؤسسات الحديثة بجهد على تدميره، يظهر من جديد كالقوة الوحيدة
القادرة على الحد والتخفيف من الطاقة التدميرية والطهرانية للحداثة[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]. ولذلك، لم يجانب
توماس باور الصواب وهو يصف سيرورة الحداثة "بالحرب الصليبية الثقافية"،
التي رمت إلى تدمير القيم الثقافية الأخرى. إن كتاب باور لا يتعرض فقط بالتفصيل لمختلف تمظهرات التسامح مع الإلتباس داخل الثقافة
الإسلامية الكلاسية، بل هو يكتب في الآن نفسه تاريخا موازيا، وأعني تاريخ الحداثة،
الذي لا يمكن فهمه دون تفكيك علاقة الحداثة بالأطراف، الحداثة كحقيقة غازية وواضحة
وشمولية ومعادية للالتباس والتي هدفت إلى تدجين المخلتف وإلحاقه بها، عكس الثقافة
الإسلامية التي لم تطلب تدمير الالتباس بل في أسوء الأحوال كبح جماحه. إن أهم مثال
يقدمه باور في نظري هو التعامل مع الرغبة الجنسية أو مع الجنس عموما. إن اقتصاد
الجنس اليوم في العالم الإسلامي أبعد ما يكون عن التسامح، لكن بالنسبة لباور فإن
هذا الرفض وهذه الإدانة للجسد واللذة والمؤنث في إسلام اليوم ليس أكثر من ردة فعل
على التحدي الغربي. فالجواب الذي يقدمه العالم الإسلامي اليوم إما جوابا متطرفا أو
جوابا يعيد إنتاج الحقيقة الغربية، والجوابين معا يؤكدان الخوف المرضي من التباس
الجنس. لقد قام الغرب بفرض خطابه عن الجنس على الشعوب الأخرى، وهو خطاب هدف الى
قبر عفوية الجنس، كما أوضح ميشيل فوكو. فإذا كان رجل الدين المسيحي يقحم أنفه في
القرن السادس عشر حتى في طريقة ممارسة الجنس والوضعية التي يتخدها الزوجان خلال
المضاجعة كما أوضح باور نقلا عن الفرنسي روبرت موشمبليد، فإن سيرورة العلمنة ستعيد
إنتاج نفس العملية، وهي تحاول، لكن هذه المرة في لغة العلم، تحديد حقيقة الجنس،
وبدلا من الحديث عن الذنب والتحذير من العقاب الإلهي سيتم الحديث في هذا الخطاب عن
الحياة الجنسية الصحية والتخويف من المرض والموت. لكن الجنس في الثقافة الكلاسية
للإسلام لم يكن بالأمر الخطير، بل حتى بالنسبة لمفكر تقليدي كالغزالي، كان دور
الجنس، كما كتب في إحياء علوم الدين، هو
تعريف المؤمنين أولا بما ينتظرهم من خيرات في الجنة، وثانيا المحافظة على النوع
البشري. فما كان ينظر إليه كأمر عادي في
ثقافة الإسلام الكلاسية فيما يتعلق بالجنس، كمعاشرة الغلمان والتشبب بهم مثلا،
أضحى رمزا للانحراف، يتوجب مقاومته وعلاجه.
ألم يبرر نابوليون حملته على مصر برغبته في تحريرها من انحطاط الأتراك وألم
تكن المهمة التحضيرية تهدف أيضا إلى إصلاح البناء الجنسي في الشرق الأوسط، وبلغة
أخرى إلى تدمير الحرية والالتباس الجنسيين؟ يتساءل باور، وليس نابوليون وحده، فهذا
الإثنولوجي الألماني ميشائيل روس يكتب بأن
الإسبان برروا حقهم في فرض سيطرتهم على أمريكا اللاتينية باسم الدين، مدعين بأن
الهنود يمارسون اللواط الذي كانوا يعتبرونه ضد الطبيعة. وطبعا فإن الاسبان لم
يكونوا ليعاملوا من يتصرف ضد الطبيعة على أنه انسان. ويذكر روس رأي رجل الدين
الفرنسي جوزيف فرنسوا لافيتان الذي انتقد البرداخ في كتابه الصادر سنة 1724 (هنود
حمر مخنثين كانوا يتمتعون بقداسة) بسبب سلوكهم الأنثوي، ويقول روس، بأن رجل الدين
هذا انطلق في رفضه للبرداخ من وجهة نظر أوروبية حول الأنوثة، نظرة تنظر إلى
الأنوثة كشيء منحط مقابل الرجولة التي تجترح البطولات، أو بلغة روس التي تجترح
الحرب في مقابل الأنوثة التي لا تستطيع أن تحارب والتي يتوجب طبقا لذلك السيطرة
عليها. لكن الهنود الحمر نظروا إلى أبناء جلدتهم المخنثين كأشخاص مقدسين يحظون
باحترام كبير ويشاركون في كل الطقوس الدينية.
إن الآخر يظل وفق النظرة الأوروبية المركزية موضوعا للسيطرة و يستحق
التنقيص من قيمته، لأنه مختلف أو لأننا لا نستطيع إقحامه بنظام الأنا. وطبعا، يقول روس، في ثقافة لا تعرف إلا جنسين:
المؤنث والمذكر، لا يمكنها أن تنظر إلى جنس ثالث كأمر طبيعي، بل لا يمكنها إلا أن
تدينه وتعاقبه. [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

وحتى نفهم
أهمية النقلة البراديغمية التي أنجزها البروفيسور توماس باور ، أقترح
إلقاء نظرة على نموذج آخر من الكتب التي ينجزها الاستشراق الألماني
وسأقدم مثلا بسيطا في هذا السياق، وهو كتاب للمستشرق الألماني ستيفان فايدنر، سبق
وترجم الى العربية، يحمل في نسخته الألمانية عنوانا مثيرا، لأن العناوين المثيرة
تطلبها السوق، لكن الأمر لا يتعلق هنا
بمنطق السوق فقط ولكن بفهم خاطئ للهوية، يربطها بثقافة رائدة أو رسمية في ألمانيا
ـ وليس فقط في ألمانيا ـ تقوم خصوصا على طرد كل ما هو أجنبي ومختلف مما يمكن أن
نسميه بالحقل الشرعي للهوية. لكن لنعد إلى
ستيفان فايدنر، الذي عنون كتابه بـ
"إغراءات محمدية"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]. ماذا يقول في هذا الكتاب؟ إنه يبحث عن جذور التخلف الحالي الذي تعيشه
المجتمعات الإسلامية في الدين، وهو يشير إلى أن الإسلام، كما الأديان الأخرى يحمل
تشوهات ولادية. إن نظرته الثقافوية تتناسى أن الإسلام ابن سياقه التاريخي، إنها
تنظر إليه كدين مشوه أو مليء بالعيوب، لأنها نظرة سجينة ثقافتها الغربية التي
أنتجتها، والتي درجت على سجن المختلف والمغاير في باب اللامعقول. إنها ثقافة كانت قد حكمت على الدين، أي دين،
كنظرة إلى العالم تجاوزها التنوير. لكن إعمال المبضع العقلاني بالإسلام، مبضع
العقل التنويري لا يمكن إلا أن يكون عنيفا ويذكرنا بالرسالة التحضيرية للاستعمار،
وبعنف العقل الذي وصفه فوكو بالجلاد، فإحالة الدين على محكمة العقل والعقل
التنويري خصوصا، غير شرعية، لأنها تبخس الدين، أي دين حقه، تحرمه لغته وتفرض عليه
لغتها. وهي في أحسن الأحوال، تزعم "الرقي" به إلى مستوى العقل، وإخضاعه
لدولة العقل. لكن الدولة الليبرالية وفي مقابل دولة العقل، تريدنا مواطنين في
عوالم ووجهات نظر مختلفة، والدين أحدها، كما يقول الفيلسوف الألماني أودو
ماركفارد. إن موقف فايدنر الذي ظل سجين
عقله التنويري ولاشعوره الكولونيالي، هو موقف يعيد إنتاج موقف التنوير من الدين
وموقف المدرسة الاستشراقية، فحين ينتقد القرآن لأنه في نظره "يضج
بالمتخالفات"، يغفل أن غنى القرآن يكمن في تناقضاته، تلك التناقضات التي لا
يفهمها عقل الأنوار والتي يرفض الأصوليون المتزمتون الاعتراف بوجودها، فوحدة الدين
في تعدد أصواته، في تناقضاته، في لبسه ووضوحه، ركاكته وبلاغته، غناه وفقره ولم لا
في محاسنه وتشوهاته.. ومثل رؤية فايدنر، ما ينتقده توماس باور وهو يتحدث عن حداثة
معادية للالتباس وخائفة منه، وهو موقف كان قد انتقده وإن في سياق آخر، الفيلسوف
الألماني يوهان عوتفريد هردر في كتابه المشهور "فلسفة أخرى للتاريخ"
الصادر عام 1774، وهو كتاب ينتقد فكرة التقدم وربطها بالعقل وتطور العالم لدى
فلاسفة الأنوار. مؤكدا بأنه لا يمكن
مقارنة ثقافة تنتمي الى حقبة معينة بثقافة من حقبة أخرى رافضا الاعتراف بأي أفضلية
لحقبة الأنوار. "فكل ثقافة، يقول الفيلسوف الفرنسي ألان رونو مؤكدا كلام
هردر، تعبر بطريقتها عن الإنسانية"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

3ـ ثلاثة أسئلة

لكن السؤال الذي لم يخطر في بال توماس باور، والذي
يمتلك مشروعية مركزية في هذا السياق، هو لماذا انهار هذا العالم الإسلامي المتعدد
والمتسامح مع الالتباس، أمام المشروع الغربي للحقيقة الواحدة، إن لم يكن بالفعل
عالما أكله الوهن واستبد به العجز ونخره الاستبداد؟ سؤال من شأنه أن يقودنا بالضرورة
إلى التساؤل عن العناصر والعوامل الداخلية، التي أغفل توماس باور دراستها والتي
ساهمت أكثر من غيرها في تدمير الالتباس داخل الحضارة الإسلامية وخلقت، في لغة مالك
بن نبي، نوعا من "القابلية للاستعمار"، ومنها ، لا ريب، الاستبداد
السياسي، والتحجر الديني ومحاصرة الاجتهاد، وقتل "الزنادقة" وقهر المرأة
وغيرها من تلك الظواهر التي لم تأت بها طبعا "صدمة الحداثة"، بل، لربما
لم يتحقق الوعي بها، إلا بفضل هذه الصدمة.

سؤال آخر يلح علينا في هذا السياق، ويتعلق
بهذا االلامنتو أو البكائية المستمرة لمابعد الحداثيين، الذين ينطلقون من مفهوم
جوهراني للحداثة. إن الحداثة لا يمكن ربطها فقط بفكرة التقدم ولا الحكم عليها
وبشكل مطلق بأنها معادية للالتباس واختزالها في المشروع الإستعماري، بل إن ما يسمى
بمابعد الحداثة هو نتاج للروح النقدية والمتمردة لهذه الحداثة ولصراعاتها الداخلية
وقدرتها على اجتراح النقد الذاتي ولهذا لا يمكن الحديث عن الحداثة بلغة المفرد. ويكفي أن نقدم بعض الأمثلة من الثقافة
الألمانية الحديثة التي تبرز إلى أي حد لا
يمكن أن نصدر على الحداثة حكما نهائيا، يسمها برفض كل ما هو آخر ومختلف. وأعني
بالأمثلة الثلاث، غوته وليسينغ وهردر.
فغوته الذي حاول النقد الأدبي الرسمي في ألمانيا ربطه بالقومية الألمانية، هو غوته نفسه الذي
تأثر عميقا بالشرق والإسلام خاصة. لقد كانت
نظرته إلى الشرق وبخلاف مثقفي عصره حرة من كل نزعة استعلائية كما بينت إحدى أهم
المتخصصات في علاقة غوته بالعالم الإسلامي، كتارينا مومزن، نظرة نافدة إلى روح هذا
الشرق وثقافته وروح كتابه المؤسس، فلا عجب أن يكتب غوته وهو بعد في الثالثة
والعشرين من عمره قصيدة يمدح فيها الرسول العربي وأن يظل وفيا لموقفه وهو في سن
السبعين، حين أكد بأنه يحتفل دائما بليلة القدر. وسيقف غوته مندهشا أمام آيات من
سورة العنكبوت تحض على التسامح والحوار بالحسنى مع أهل الكتاب، وقد بدأ اهتمام
غوته بالقرآن بين عامي 1771 و1772، وذلك
في الوقت الذي بدأ فيه يشكك بالعديد من المعتقدات الكاثوليكية. في الفصل الأخير من
كتابها "غوته والإسلام" كتبت كتارينا مومزن:" وجد غوته في الرسول
محمد رفيقا في الاعتقاد بوحدانية الإله واكتشف في الثقافة الإسلامية جذور الأنوار
الأوروبية"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]. ولم يكن موقف غوته استثناء، إذ يكفي أن نذكر بليسينغ ومسرحيته
"ناتان الحكيم"، الذي وجد في
الرسول العربي رمزا كبيرا للتسامح الديني وفي الإسلام دينا للعقل. وكذلك الشأن مع
هيردر في كتابه "أفكار حول فلسفة تاريخ الإنسانية"، الذي رأى في النبي
محمد ممثلا لوحدانية الإله ومتمما للديانتين اليهودية والمسيحية. أما سؤالي الثالث
فيتعلق بالتاريخ الإستعماري، والذي يتوجب النظر إليه اليوم وفق منظور مختلف بعد
سقوط إيديولوجيات الكفاح أو تحولها إلى ديكتاتوريات، وسقوط روايتها الرسمية..

ولهذا أعتقد في ختام هذه الملاحظات أو هذه الإسئلة،
ضرورة التفريق بين حداثة ملتبسة، لم تخف لقاء الآخر والتحاور معه وحداثة كفاحية
كما تمثلت في فكرة التقدم وفي السياسات الاستعمارية والعقل الأداتي. لقد كتب
أنطوان كومبانيو "بأن معارضي الحداثة الحقيقيين هم في الآن نفسه حداثيين،
أيضا ودائما حداثيين، أو حداثيين على الرغم منهم"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


4ـ ملحق

لا أبالغ إذا قلت بأن كتاب
باور الأخير هو استمرار بشكل أو بآخر
لكتاب الاستشراق لإدوارد سعيد، وفي
هذا السياق أيضا تندرج كتب أخرى، تظل في غالب الأحيان مهمشة وبعيدة عن اهتمام الثقافة الرسمية، لعل أبرزها في السنوات الأخيرة هو
كتاب الاثنولوجيتين كريستينا فون براون
وبيتينا ماتيس:"الواقع المحتجب: المرأة، الإسلام والغرب"[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] الذي يفكك المسلمات التي
تنطلق منها الرؤية الغربية في قراءتها للإسلام ولوضعية المرأة المسلمة خصوصا. إن الأطروحة الأساسية التي يدافع عنها هذا
الكتاب، الذي يمكن أن نعتبره استمرارا لكتاب "الاستشراق" لإدوراد سعيد،
لكن بوسائل نسوية، تقول بأن المرأة الغربية في رغبتها المحمومة إلى نزع حجاب
المرأة الشرقية أو "تحريرها" كما تزعم، يجب النظر إليها أيضا في سياق
النظام الجنسي الغربي، وبالنظر إلى وضعية المرأة الغربية نفسها في المجتمعات
الغربية. إن صورة "المرأة الشرقية"، التي انتشرت في هذه الكتابات
الغربية منذ القرن التاسع عشر تتوافق صميميا مع القطائع والاستمراريات المتعلقة
بصور النساء في البلدان الأوروبية الأصلية لهاته الباحثات. وبدلا من أن توجه
الباحثات الغربيات سهام نقدهن للفكر التنويري الذي رغم دفاعه عن أولوية العقل على
الإيمان واعترافه بالفردية، إلا أنه يقوم على فهم للعلاقة بين الجنسين، ترى في
الرجل ممثلا للذات الكونية، في حين تبقى المرأة تجسيدا للانحراف واللاعقل
والطبيعة، لجأن إلى التحايل على وضعيتهن في المجتمع الغربي، عن طريق إسقاط كل
القمع الذي تعانينه في هذا المجتمع على المرأة الشرقية. إن العلاقة مع المرأة
الشرقية تمنح المرأة الغربية إحساسا بالتفوق والحرية والكونية، أي تحقق أمنيتها في
أن تخرج من الطبيعة إلى الثقافة. كما أن "تحرير" المرأة الشرقية يعني
قدرتها على أن تمارس سلطة مفهومية، هي لا تملكها داخل ثقافتها، إن ذلك يحولها إلى
مركز ويخرجها من الهامش الذي تعيش فيه داخل مجتمعاتها:"ولهذا ليس من الخطأ ـ
نقرأ في "الواقع المحتجب"ـ أن
نزعم بأن الاعتراف بالمرأة الغربية كذات لم يتحقق إلا خارج حدودها الوطنية، في
التقاءها بنظيرتها جنسيا، ولكن المختلفة عنها ثقافيا. وهنا تتحقق الاستمرارية بين
نساء القرن التاسع عشر اللواتي فتحن أبواب الحريم أمام أعين غربية والناشطات
النسويات اللواتي يعشن في الغرب ويحاولن اليوم تحرير المسلمات من الحجاب"،
استمرارية تؤكد استمرار الأحكام المسبقة نفسها التي بلورتها الحركة التنويرية في
الغرب ضد الدين والإسلام خاصة من جهة، ومن
جهة ثانية تفضح نزوع المرأة الغربية إلى إسقاط العنف الرمزي الذي تعيشه في مجتمعها،
والذي يظل خفيا ومحتجبا ولكن ناجعا في آن، على المرأة المسلمة المتحجبة. لقد أكدت
ذلك جوليا كريستيفا وهي تتحدث عن المرأة الغربية كغريبة في ثقافتها، إنها آخر
العقل أو آخر الثقافة، المسجونة في الطبيعة التي طمح عقل الأنوار إلى تجاوزها كما
طمح إلى ذلك الدين من قبله. إن زيارة الرحالات الغربيات إلى الحريم في القرن
التاسع عشر وبدايات القرن العشرين لم تكن مسكونة برغبة في التعرف على الآخر، ولكن
بنزوع إلى التحرر من الذات، وإسقاط إخفاقاتهن على المرأة "الأخرى"، وتأكيد
انتماءهن إلى "الثقافة" مقابل "الطبيعة" أو مقابل
"الطبيعة الخالصة للنساء الشرقيات". ولتحقيق ذلك تطلق المرأة الغربية
العنان لأحكامها المسبقة وأمراضها الداخلية وصورها العنصرية التي تنكر على المرأة
المسلمة إنسانيتها. فهاهي الرحالة الألمانية إيدا فون هنهان تكتب في رسالة إلى
أخيها عن زيارتها للحريم قائلة:"أمر مرعب بالنسبة لي أن أرى هذه الكمية من
الإناث المتوحشات" وتابعت:"أفضل رؤية قطيع من البقر أو الغنم، الحريم
ينزل بالمرأة إلى مستوى الحيوان". يشعر القارئ وهو يتابع كتابات الرحالات
الغربيات عن الشرق بهذه الرغبة المرضية في نزع صفة الإنسانية عن الآخر، وهي رغبة مازالت حاضرة بقوة في كتابات الحركة
النسوية في الغرب عن النساء المسلمات، ومن يسير على طريقها، وفي الخطاب الإعلامي
السائد، وهي رؤية تدخل في إطار أكبر:
النزعة الكولونيالية التي فضح توماس باور عنفها الرمزي ورفضها المرضي للمختلف
والمغاير.








[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] ; “Intolerance of Ambiguity as an
Emotional and Perceptual Personality Variable.” Journal of Personality
18 (1949): 108–143.
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Donald Nathan Levine; The Flight
from Ambiguity: Essays in Social and Cultural Theory, University of Chicago Press; Auflage: Reprint
(Juni 1988), p. 29, 37.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Thomas Bauer, Die
Kultur der Ambiguität: Eine andere Geschichte des Islams, Verlag der
Weltreligionen, 2011.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] بين الهلال والصليب، دار الجمل، ترجمة معز
الخلفاوي وإسلام إيده، صفحة 90

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Zygmunt Bauman, Modernity and
Ambivalence, Polity Press 1993, p. 90.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Michael Roes, Krieg und Tanz, Matthes&Seitz Berlin, Seiten
7-32.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Mohammedanische Versuchungen, Suhrkamp 2008
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Alain Renaut, Un humanisme de la diversité, 2009,
p.138.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Katharina Mommsen, Goethe und der Islam, Insel 2001
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Antoine Compagnon, Les
Antimodernes. de Joseph de Maistre à Roland Barthes, Paris, Gallimard, 2005,
p.7.

[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط] Verschleierte Wirklichkeit: Die Frau, der Islam und der Westen, Aufbau
Verlag, 2007
سيرة الكاتب
رشيد بوطيب، مفكر وكاتب مغربي، من مواليد عام1973، درس الأدب والفلسفة وعلم الاجتماع في المغرب وألمانيا
وهو يعد حاليا شهادة الدكتوراه في الفلسفة المعاصرة









_________________

يقول هيدجر Heidegger إن هدف السؤال \"هو الولوج داخل الفلسفة والإقامة فيها والتصرف وفقها، أي التفلسف\" ؛ فالسؤال يحتم علينا أن \"نتحرك داخل الفلسفة، عوض أن ندور حولها\"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عن ثقافة الالتباس في الإسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ๑۩۞۩๑ منتدى الفكر والفلسفة ๑۩۞۩๑ :: الفلسفة المعاصرة وفلسفة ما بعد الحداثة-
انتقل الى: