أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم، إذا كانت هذه زيارتك الأولى للمنتدى، فيشرفنا أن تقوم بالتسجيل والمشاركة معنا
إذا أعجبك المنتدى يمكنك أن تضغط على زر أعجبني أعلى الصفحة .... شكرا لزيارتك


(( الحكمــة لله وحــده ، وإنمـا للإنسان الاستطاعـــة في أن يكون محبًا للحكمة تواقًا الى المعرفة باحثًا على الحقيقة )) سقراط.
 
الرئيسيةالرئيسية  اليوميةاليومية  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  تسجيل دخول الاعضاءتسجيل دخول الاعضاء  
ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
المواضيع الأخيرة
» " فينومينولوجيا المعيش اليومي" من منظور المفكر مونيس بخضرة .
الإثنين أبريل 17, 2017 2:59 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
السبت أبريل 15, 2017 2:26 am من طرف الباحث محمد بومدين

» كتاب فاتحة الفتوحات العثمانية
الخميس أغسطس 18, 2016 2:21 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» برنامج قراءة النصوص العربية
الخميس أغسطس 18, 2016 2:12 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» إشكالية الحرية فى الفكر الفلسفى
الخميس ديسمبر 17, 2015 11:19 pm من طرف soha ahmed

» المغرب في مستهل العصر الحديث حتى سنة 1603م
الأربعاء نوفمبر 25, 2015 8:24 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
الأربعاء نوفمبر 18, 2015 8:41 pm من طرف الباحث محمد بومدين

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
الأربعاء نوفمبر 18, 2015 8:33 pm من طرف الباحث محمد بومدين

»  هكذا تكلم المفكر الجزائري " د . الحــــــــــاج أوحمنه دواق " مقاربات فلســـــفية " بين الضمة و الفتحة و الكسرة "
الأربعاء نوفمبر 18, 2015 8:30 pm من طرف الباحث محمد بومدين

» دخول اجتماعي موفق 2015/2016
الجمعة سبتمبر 04, 2015 4:07 am من طرف omar tarouaya

» أنا أتبع محمد...
الإثنين يناير 19, 2015 3:08 pm من طرف omar tarouaya

» بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة
الإثنين ديسمبر 01, 2014 2:12 pm من طرف omar tarouaya

» مرحيا يالاعضاء الجدد
السبت أكتوبر 11, 2014 11:16 pm من طرف omar tarouaya

» لونيس بن علي، التفكير حول الدين ضمن الحدود الإنسانية للمعرفة
الأحد أغسطس 31, 2014 12:55 am من طرف عبد النور شرقي

» تحميل كتاب الحلل البهية في الدولة العلوية الجزء الثاني
الخميس أغسطس 28, 2014 1:33 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» في رحاب الزاوية الحجازية بسطيف
الأحد أغسطس 17, 2014 12:37 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

» العز والصولة في معالم نظام الدولة
الجمعة أغسطس 15, 2014 2:41 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير ( 12 مجلدا )
الخميس أغسطس 14, 2014 11:10 pm من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  كتاب حول تاريخ الحضنة والمسيلة وما جاورها
الإثنين يوليو 28, 2014 11:23 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

»  كتاب مهم في الانساب الجزائرية
الإثنين يوليو 28, 2014 11:22 am من طرف مؤرخ المغرب الأوسط

سحابة الكلمات الدلالية

شاطر | 
 

 حياة محمد أركون: رحلة تفكيك السياجات الدوغمائية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبد النور شرقي
محارب
محارب
avatar

الإبداع .
عدد المساهمات : 390
التقييم : 18
تاريخ التسجيل : 23/09/2010

مُساهمةموضوع: حياة محمد أركون: رحلة تفكيك السياجات الدوغمائية   الثلاثاء ديسمبر 11, 2012 12:55 am

حياة محمد أركون: رحلة تفكيك السياجات
الدوغمائية





د/فارح مسرحي


في الذكرى الثانية لرحيل المفكر محمد أركون ارتأيت
أن أعيد نشر مقال حول سيرته الذاتية، وكنت قد نشرته في الكتاب الجماعي حول الراحل والذي
صدر في السنة الماضية بالمملكة البحرينية، وهذا لسببين أولها اطلاع غير المطلع على
بعض جزئيات حياة المفكر، وثانيهما فتح المجال لإثراء وتطوير وتقويم هذه المحاولة من
قبل المطلعين أكثر على تفاصيل مهمة في حياة أركون ولم ترد في هذه السيرة.



وهذا نص المقال:


تعد السيرة الذاتية للمفكر بما تتضمنه من الأحداث
المهمة التي عاشها والمراحل الأساسية التي مر بها في حياته، رافدا مهما من روافد فكره،
فالانحدار الطبقي، وظروف الأسرة والمحيط الاجتماعي والتنشئة والتكوين، كلها معطيات
مساعدة على الإحاطة بدوافع وتفاصيل الكثير من المواقف التي يصل إليها المفكر أو يدافع
عنها،''فالمنحى الشخصي للحياة هو الذي يحدد المسار الداخلي والخارجي لكل ذات بشرية''،
ومحمد أركون لم يشذ عن هذه القاعدة؛ فقد كان للظروف الحياتية التي عاش ضمنها الأثر
الكبير على نمط تفكيره، يقول مؤكدا ذلك:''كانت قريتي ثاوريث ميمون نقطة الانطلاق الأولى
وقد ظلت مصدر الإلهام ونقطة ارتكاز أنثروبولوجي لفكري وحياتي. إنها نقطة علام أولى
ومنطلق مبدئي لجميع تساؤلاتي''.



وبالرغم من الدور الكبير الذي لعبته البيئة والمحيط
الاجتماعي في تحديد مساره الفكري إلا أن لم يهتم كثيرا بالحديث عن سيرته الذاتية، ولم
يخصص عملا معينا من أعماله للتفصيل في ذكرياته ومسار حياته، عدا إشارات بسيطة وغير
مباشرة أوردها أثناء استعادته لذكرياته مع ابن قريته الأديب الجزائري مولود معمري(1917-1989م)،
أو أثناء حديثه عن علاقته بالمستشرق الكبير لويس ماسينيون
L.Massignon(1883-1966).


ونظرا للأهمية التي تكتسيها المعطيات الحياتية للمفكر
في توجيه أبحاثه وتحديد أهدافه فسنحاول تقفي آثار هذه الإشارات، ورصد العناصر أو المراحل
الأساسية ''الحاسمة'' في حياة محمد أركون، لاسيما تلك التي كانت لها علاقة مباشرة بمشروعه
الفكري، خصوصا في ظل غياب سيرة ذاتية شاملة لحياته، حيث يبدو أنه من الضروري''المجازفة''
بمحاولة جمع ما أمكن جمعه من هذه العناصر في شكل سيرة ذاتية أولية، وهذا بالاحتكام
إلى الشذرات التي أوردها في أعماله وحواراته بالدرجة الأولى، والهدف من وراء ذلك هو
التعريف بهذا المفكر لمن لا يمتلك معرفة مفصلة حول حياته، وتقصي الظروف والعوامل التي
أثرت في توجيه فكره نحو مواضيع محددة دون سواها.



ويمكن القول أن حياة محمد أركون ارتبطت في مجملها
بهاجس المعرفة وإرادة التجاوز والبحث غير المنتهي عن المعنى والحقيقة مثلما صرح في
آخر أعماله قائلا:''كل مرحلة من مراحل العمر هي عبارة عن قفزة أو خطوة إلى الأمام،
وهذه القفزة لا تتحقق إلا من خلال القلق المرتبط بشكل وثيق بإرادة لا تتزعزع، وأقصد
بها إرادة المعرفة، أو الجوع إلى الفهم والفضول العلمي، كان دافعي الأساسي منذ البداية
تحقيق المعرفة والتقدم باستمرار تدريجيا''. ومع هذا يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين
في حياته، وهما مرحلة التكوين الأولي بالجزائر، ثم مرحلة التكوين العلمي الحقيقي بعد
انتقاله إلى فرنسا.



أولا: مرحلة التكوين الأولي بالجزائر


ولد محمد أركون في شهر فيفري سنة 1928 بقرية ثاوريرت
ميمون بمنطقة بني يني التابعة لولاية تيزي وزو في أسرة كثيرة العدد محدودة الدخل، وهو
الابن البكر لوالده''الوناس'' الذي كان يعيل أبناءه العشرة (اثنان منهم توفيا صغيرين)
وأخواته الأربعة غبر المتزوجات، من مدخول حانوت بقالة صغير في منطقة عين الأربعاء بعين
تموشنت التابعة إداريا لمنطقة وهران في تلك القترة.



وترجع أصول عائلة أركون حسب ما أورده في كتابه الأنسنة
والإسلام إلى عائلة '' آث-واعراب الذين اضطروا في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن
التاسع عشر إلى الخروج من منطقة قسنطينة طلبا لحماية بني يني وقد حفظت الذاكرة الشفهية،
ذكرى دقيقة لشخص ما اسمه العربي، ويقال أنه قتل سبعة أشخاص تبعا لقانون الثأر المعروف
في منطقة المتوسط ثم لجأ إلى بني يني هربا من الانتقام'' .



تعلم محمد أركون القرآن في مدرسة صغيرة أسسها عمه
الذي كان شديد التدين والزهد، وبدأ تعليمه الابتدائي بقريته، وعندما بلغ التاسعة من
عمره أخذه والده إلى منطقة عين الأربعاء ليساعده في التجارة، وهناك واصل تعليمه الابتدائي،
وبعد إنهائه لهذا الطور عاد إلى مسقط رأسه حيث واصل دراسته المتوسطة في مدرسة للآباء
البيض، ليعود مجددا إلى منطقة وهران ويلتحق بالثانوية التي تدعى باستور حاليا، وبعد
حصوله على شهادة الباكالوريا سنة 1949م، التحق بجامعة الجزائر لتحضير ليسانس بقسم اللغة
العربية وآدابها، وتخرج فيها سنة 1952م، ليصبح أستاذا بثانوية الحراش، ويواصل دراساته
العليا حيث تحصل على ماجستير في اللغة والأدب العربي سنة 1954م، قبل أن يسافر إلى فرنسا
لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، وقبل التفصيل في هذه المرحلة الثانية لابد من التوقف عند
بعض الأحداث المهمة في المرحلة الأولى من حياته، والتي كان لها الأثر الكبير على مساره
الفكري.



أهم ما طبع المرحلة الأولى من حياة أركون هو تلك
المعاناة التي كان يشعر بها نتيجة الفقر والحرمان من جهة، والشعور بالتهميش وسط زملائه
في الدراسة الذين كانوا إما يتقنون العربية أو الفرنسية، بينما لم يكن في صغره يتقن
غير اللهجة القبائلية من جهة ثانية، ويصف هذه المعاناة بقوله: ''كانت هذه تجربتي المؤلمة
الأولى، جزائري صغير معزول بين رفاقه ممن يتكلمون العربية أو الفرنسية، كان علي أن
أتعلم لغتين في وقت واحد، وأنا أعيش مرارة تجربة أقلية مبعدة بل محتقرة من فئتين اجتماعيتين
تفرضان لغتيهما في كل مكان من الفضاءات العامة دون أن تكونا مجبرتين على أية معاملة
بالمثل(..)كنت أحس هذه الهامشية كل يوم، وتشتد صعوبتها لأنه كان علي أن أميز بين أمرين؛
الإبعاد الذي يسببه النظام الاستعماري والذي يعانيه الآخرون من الجزائريين، والقطيعة
بين العرب والبربر على مستوى الحساسية والذاكرة العامة''.



أما عن معاناته مع الفقر فيقول عنها:''عندما أقول
إن أصولي الاجتماعية متواضعة فأنا لا أفي تماما بالحقيقة، أذكر رعبي اليومي في مواجهة
سخرية أصدقائي الجارحة وهم يتسلون بالإشارة إلى عنقي المحمر من لسع البق والبراغيث،
فقد كنت أنام على حصير من الحلف تعشش فيه هذه الحشرات الصغيرة، وللحد من تكاثر القمل
كان علي أن أحلق رأسي كل أسبوع، وكم كانت الغيرة تملؤني عندما أرى رفاقي الفرنسيين
وشعرهم الأشقر''.



من جانب آخر، هناك لحظة مهمة في حياة أركون-الطفل
مارست تأثيرا كبيرا على نمط اهتماماته فيما بعد، ففي سن الرابعة عشرة تشاء الصدف أن
يختاره أحد علماء الإثنولوجيا (
L’Ethnologie) الفرنسيين ويدعى جان سيرفييهJ.Servier
(1918-2000م) من أجل مساعدته على فهم بعض المعطيات عن بيئته
وقريته التي كانت موضوع أطروحة دكتوراه لهذا العالم، فكان يلقي أسئلة عديدة على أركون
بخصوص قريته، وهي أسئلة بدت غريبة عليه في البداية، إلا أنه اكتشف فيما بعد أهمية النظرة
الإثنولوجية، والتمييز الذي تقيمه بين الثقافة الشفهية من جهة والثقافة الفصحى المكتوبة
من جهة أخرى، وازداد اهتمامه بالثقافة الشفوية من خلال حضوره كممثل لعائلته في مجالس''ثاجماعث''،
أو مجالس الأعيان التي تعقد في القرية، لأن أباه كان يعيش بعيدا عن منطقة القبائل،
فكان يقوم مقامه باعتباره الابن البكر، وعن دور هذه المجالس في نقل التراث الشعبي-الشفوي
والحفاظ على الذاكرة الجماعية، يقول:''كان على كل عائلة أن ترسل ممثلا ذكرا عنها قد
يكون الأب أو الابن الأكبر، كانت أمي تقول لي: عليك أن تذهب كي يعرف أن هناك عضوا من
عائلة أركون وكي تستمع إلى ما يقوله العقلاء. وهذا مهم جدا، فعن طريقه تتكون الذاكرة
الجماعية للقرية ومن ثم للمنطقة عامة، ولأن البربرية لا تكتب وليست هناك مدارس لتعليمها،
فالمعاش اليومي في العائلة وفي الحقل وفي القرية هو المدرسة(..) هذا النوع من المدرسة
يسمح بتنشئة اجتماعية كاملة وبالتحام اجتماعي بفضل إواليات إنتاج الذاكرة العامة، لقد
عشت هذا حتى عام 1954 مما يجعلني أهتم بهذا الجزء من المجتمعات الإسلامية الذي أهملته
الثقافة العالمة والمكتوبة''.وقد شكلت هذه المسألة فيما بعد محور نقده للخطابات الاستشراقية
والإسلامية على السواء من حيث إهمالها لتراث الشفوي والمعيش اليومي على أهمية دورهما
في توجيه الأفراد وفي بناء تصوراتهم ومختلف ردود أفعالهم، وهي مسألة سنعود للتفصيل
فيها ضمن الفصل الثاني من البحث.



لقد تولد لدى أركون-الطفل شعور بالألم نتيجة التهميش
والبؤس الذي يعانيه المجتمع الجزائري بفعل الاستعمار، والتهميش المضاعف الذي يعانيه
البربر بلغتهم وثقافتهم من قبل العرب والفرنسيين معا، وهي المشاعر التي كانت لم تفارقه
أبدا مثلما يقول:''كان للهامشية الاجتماعية والثقافية وطؤها على حياتي كلها وبخاصة
وأنني أجدها من جديد في كل مرة أزور عائلتي في الجزائر، فقد عمق الاستقلال القطيعة
والتوتر والرفض بينما كانت الوعود خلال حرب التحرير تبشر باللحمة، بترابط جديد، بتجاوزات،
بفرص ممنوحة لجميع الطاقات الثقافية والفكرية في جزائر تعود لمنابعها الأنثربولوجية
والجغرافية والتاريخية''، وتزداد معاناة أركون حينما يجد نفسه تحت وطأة تهميش جديد،
داخل قريته وبين أهله هذه المرة، وهذا حينما يتم تذكيره بأصوله غير القبائلية، وبكونه
منتميا إلى''سفلة القوم'' و''المحميين'' من قبل عرش''آث يني''، ففي سنة 1952م وبعد
حصوله على شهادة الليسانس، ألقى محاضرة مفتوحة لجمهور قريته –وهي أول محاضرة له- حول
وضع المرأة القبائلية وضرورة تحريرها، ولأنه ينتمي إلى عائلة آث-واعراب ''المحمية''،
ووفقا للأعراف الموجودة فإنه لم يكن يملك الحق في التحدث إلى كافة القوم''العرش''،
لذلك فقد جلبت له هذه المحاضرة سخطا كبيرا من قبل أمين القرية وهو والد مولود معمري،
ويدعى''دا سالم''، وفي اليوم الموالي عبر له عن سخطه وهدده في الوقت نفسه قائلا:''يا
ابن الوناس آث واعراب كيف سمحت لنفسك بالحديث أمام جماعة بني يني-العرش-علما بأن كبيرك''داداك
سالم''لا يزال أمين القرية؟ ألا تعرف أنك من سفلة القوم وأنه إن كان ينبغي لأحد أن
يتحدث بالقبائلية فينبغي على داداك سالم أن يقوم بذلك، وإن كان ينبغي لأحد أن يتحدث
بالعربية فينبغي على داداك الوناس(ابن عم مولود معمري)أن يفعل، وأخيرا إن كان على أحد
أن يتحدث بالفرنسية فوحده داداك المولود يمكنه فعل ذلك، لقد تعديت التراتبية الموضوعة
ولحسن حظك أن والدك معروف باستقامته، وأنا أدعوك لأن تحذو حذوه من دون حيد'' .



هذا ''الدرس الأخلاقي'' –إن صح التعبير- فتح أعين
أركون على الكثير من الأفكار التي عمل على تطويرها فيما بعد من خلال أبحاثه لاسيما
مفهوم الرأسمال الرمزي(
Le Capital symbolique) وعلاقته بالسلطة، وكذا علاقة
اللغة بالفكر ودور الإيديولوجيا في صناعة التاريخ وتأثيرها على ممارسة العقل لوظيفته،
ثم علاقة كل ذلك ببناء الفاعلين الاجتماعيين لتصوراتهم حول تراثهم.



ومما تجدر الإشارة إليه أثناء هذه المرحلة من حياة
أركون هو فضوله المعرفي، إذ يقول عن ذلك:'' كنت أريد أن أعرف كل شيء، أن أستكشف كل
شيء، كنت مسكونا بعطش هائل إلى الفهم والمعرفة'' ، فقد تعلم اللغة العربية والفرنسية،
كما درس اللغة اللاتينية مع الآباء البيض، ودفعه فضوله العلمي لمتابعة محاضرات حول
القانون والفلسفة وحتى الجغرافيا، وبعبارته فقد ''التهم كل ما كان موجودا في جامعة
الجزائر.''



ونظرا لعدم اقتناعه بنوعية التكوين الذي تلقاه لاسيما
في مجال الفكر العربي الإسلامي على يد أساتذته بجامعة الجزائر، فقد حاول الاستفادة
من المدارس الإسلامية التقليدية ولكنها لم تزده إلا خيبة وتذمرا، حيث يقول:'' أذكر
أنني حاولت حينئذ أن أجرب حظي مع أساتذة مدرسة تقليدية شهيرة في الجزائر، كان الأساتذة
مسلمين ويلقون دروسهم باللغة العربية (..) لكن الفرحة التي أدخلتها إلى قلوبنا الدروس
الملقاة باللغة العربية الكلاسيكية الفصيحة تماما سرعان ما حلت محلها الخيبة الفكرية
والإحباط العلمي، لماذا؟ لأننا سرعان ما اكتشفنا حجم الجمود الفكري السائد هناك، وثقل
النزعة السكولائية التكرارية الاجترارية الموروثة عن عصور الانحطاط الطويلة، إنها من
أكثر النزعات جفافا وضيقا وثرثرة ولا تاريخية.''



إذن، فبالرغم من النجاح الذي حققه أركون بحصوله
على أعلى الشهادات العلمية، وكان آخرها شهادة الماجستير في شهر جويلية من سنة 1954
بعدما ناقش رسالة حول الجانب الإصلاحي في أعمال طه حسين(1889-1973)، إلا أنه أثناء
حديثه عن هذه المرحلة من مساره الفكري فإنه يضع تكوينه العلمي بين مزدوجتين، للدلالة
على عدم رضاه بنمط ونوعية التكوين الذي تلقاه، والذي يصفه بالسطحية والبعد عن الأسئلة
الحقيقية الملحة التي كانت مطروحة على مختلف المستويات السياسية والدينية والتاريخية
للجزائر والعالم العربي الإسلامي الذي كان يرزح تحت سلطة الاستعمار، يقول عن هذه الفكرة:
''كنت أريد أن أفهم وضع الجزائر وتاريخها بشكل علمي دقيق، ولكن ما كان أحد يساعدني
على ذلك''.



نظرا لهذا الشعور بالخيبة الذي استولى عليه في تلك
الفترة، وعشية اندلاع الثورة الجزائرية (نوفمبر 1954) قرر محمد أركون السفر إلى باريس
لإتمام دراسته، وكله أمل في أن يظفر هناك بإجابات تشفي غليله المعرفي، ويبدو أن هذا
القرار مثلما جاء استجابة لإرادة المعرفة التي وجهته منذ صغره، فهو أيضا قرار يوحي
بنوع من التأثر بالمسار الفكري لطه حسين الذي كان أركون يشتغل في تلك الفترة على أعماله،
ومعلوم أن طه حسين أيضا لم يقنعه التعليم التقليدي في مصر فقرر مواصلة دراساته في باريس.



ثانيا: مرحلة التكوين العلمي بفرنسا


بعد وصوله إلى فرنسا بجامعاتها العريقة وأساتذتها
المعروفين، تبدأ مرحلة جديدة في حياة أركون، وهي مرحلة التكوين العلمي الحقيقي، واكتشاف
الفكر الفرنسي في أرقى وأحدث تجلياته في تلك الفترة، فقد درس واحتك بأكبر المفكرين
وخاصة المستشرقين منهم، والبداية كانت في شهر نوفمبر سنة1954م، مع لويس ماسينيون الذي
استقبله في بيته الباريسي ببساطة واهتمام، وقدم له الدعم المعنوي والتوجيه العلمي الضروريين
لباحث شاب طموح في بداية مشواره، يقول أركون عن هذا اللقاء وما تمخض عنه:''..وقد طال
الحديث بيننا وتجرأت أثناءه على إطلاق بعض الملاحظات حول الهوة السحيقة التي تفصل الإسلام
الفصيح العالم والمتعالي الذي يستحوذ على اهتمامه وإعجابه، وبين الإسلام الفعلي المعاش
في الجزائر، وبخاصة في منطقتي الأصلية القبائل الكبرى''. وبعد هذ النقاش اقترح عليه
تحضير أطروحة دكتوراه حول الإسلام الإثنولوجي-السوسيولوجي المعيش في منطقة القبائل،
وبالفعل فقد سجل أركون موضوع أطروحة دكتوراه سنة 1957م تحت إشراف المستشرق الكبير جاك
بيرك
J.Berque (1910-1954م)حول
الممارسة الدينية في منطقة القبائل، لكنه اضطر فيما بعد إلى تغيير موضوع بحثه بناء
على نصيحة أستاذه رجيس بلاشير
R.Blachère(1900-1973م)
من جهة، وتعذر القيام بدراسات ميدانية في منطقة القبائل بسبب الحصار الذي فرضته السلطات
الاستعمارية على المنطقة في تلك الفترة من جهة أخرى، فقرر التحول لدراسة موضوع نظري
في الفكر العربي الإسلامي، إذ سجل سنة 1958م موضوع بحث جديد حول مسكويه وجيله، والنزعة
الإنسانية التي سادت إبان القرن الرابع الهجري، وهي الأطروحة التي أشرف عليها روبير
برانشفيغ
R.Brunschvig (1901-1990م)
وتحصل بفضلها على شهادة دكتوراه دولة سنة 1968م.



وتعد الفترة التي قضاها أركون في إعداد أطروحته
والممتدة من سنة 1956م إلى سنة 1968م، فترة التكوين العلمي الحقيقي بالنسبة له، خاصة
وأنها تزامنت مع ظهور العديد من التيارات الفلسفية الجديدة وازدهار النقاش الفلسفي
بين ممثليها، كما درس خلالها على يد كبار المستشرقين، وقرأ واحتك بنصوص أشهر المفكرين
في الجهتين العربية الإسلامية والغربية.



وقد شغل أركون منذ سنة 1956م عدة مناصب في التعليم
الثانوي والجامعي بفرنسا وخارجها، وأهم هذه المناصب:



-(1956-1959): أستاذ بكلية العلوم الإنسانية بـ:
ستراسبورغ (
Strasbourg).


-(1959-1961): أستاذ بثانوية فولتير بـ: باريس
(
Lycée Voltaire à Paris).


-(1961-1969): أستاذ مساعد بجامعة السوربون.


-(1969-1972): أستاذ مشارك بجامعة ليون 2.


-(1972-1992): أستاذ بجامعة السوربون الجديدة باريس
3، وجامعة باريس 8.



-في سنة 1980م عين رئيسا لقسم اللغة العربية وتاريخ
الفكر الإسلامي بجامعة السوربون الجديدة ( باريس 3).



كما دعي للتدريس لفترات قصيرة من قبل العديد من
الجامعات خارج فرنسا، حيث درس سنة1969م بجامعة لوس أنجلس بالولايات المتحدة الأمريكية،
وأعوام :1986-1987-1990م بجامعة برلين بألمانيا، كما درس بجامعة برنستون (
Princeton) بولاية نيوجيرزي (New
Jersey) بالولايات
المتحدة بين سنتي1991و1993، وفي الفترة نفسها كان يلقي بعض المحاضرات بجامعتي روما
بإيطاليا وأمستردام بهولندا.



إضافة لمهام التدريس، شغل أركون عدة مناصب في العديد
من المجالس واللجان العلمية والسياسية الفرنسية والعالمية، حيث كان يدير مجلة أرابيكا
(
Arabica) منذ سنة 1980م وكان عضوا بالمجلس الأعلى للأسرة، واللجنة الوطنية
لعلوم الحياة والصحة بفرنسا، وعضوا بالمجلس العلمي لمعهد الدراسات الإسماعيلية بلندن،
مثلما كانت له الكثير من الأنشطة على مستوى المنظمات الجهوية والعالمية كجامعة الدول
العربية ومنظمتي اليونيسكو والأمم المتحدة، وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات الفكرية
في القارات الخمسة، والتي لا سبيل لحصرها.



كما تم تكريمه بالعديد من الجامعات العربية والغربية،
ومنح الكثير من الجوائز اعترافا بما أسداه من خدمات في سبيل تطوير الفكر وترقية الإنسان،
أهم هذه الجوائز:



- ضابط لواء الشرف(Officier
de la légion d’honneur) من جامعة إكستر (Université d’Exeter) ببريطانيا سنة 1996م، وهي
الجامعة التي منحته فيما بعد دكتوراه فخرية.



- الجائزة السابعة عشرة لـ:ليفي ديلا فيدا(Giorgio
Levi Della Vida Award Le 17e)من معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة كاليفورنيا وهذا سنة 2002م.


- جائزة ابن رشد للفكر الحر من جامعة برلين سنة
2003م.



وانطفأت شعلة أركون التي اتقدت طيلة أزيد من ثمانية
عقود بوفاته يوم الثلاثاء 14سبتمبر 2010م بإحدى المستشفيات الباريسية بعد معاناة مع
مرض السرطان، ونقل جثمانه ليدفن في الدار البيضاء بالمملكة المغربية، وهي القضية التي
اهتمت بها الكثير من وسائل الإعلام، وطرحت حولها تساؤلات بشأن سر دفنه بالمغرب بدلا
من الجزائر، حيث تم تداول فرضية أن ذلك كان استجابة لوصيته، غير أن حوارا أجري مؤخرا
مع شقيقه أكد فيه هذا الأخير أن المرحوم أرسل له رسالة قبيل وفاته يعلمه فيها أنه سئم
الحياة بالمهجر ويرغب في العودة إلى قريته بصورة نهائية، ومن ثم فدفنه بالمغرب يكون
قد تم بناء على رغبة زوجته المغربية.



ومهما يكن فقد رحل أركون عن هذه الحياة التي عاشها
غريبا مناضلا متمردا باحثا عن اليقين الذي لم يدركه أبدا، مثلما صرح في مقدمة أطروحته
للدكتوراه قائلا :''طيلة السنوات العديدة التي تطلبها إنجاز هذا العمل، عرفنا من جهتنا
الشك أكثر من اليقين والشعور بعدم الرضا أكثر من الشعور بفرحة الاكتشاف'' .



رحل أركون غير أنه ترك وراءه عشرات البحوث والدراسات
والكتب باللغة العربية والفرنسية والإنجليزية وهي اللغات التي كان يتقنها ويكتب بها،
بالإضافة إلى أعماله المترجمة إلى العديد من اللغات كالألمانية والهولندية والإندونيسية.



وقد أثارت وفاته ردود فعل في الكثير من الأوساط
الثقافية والفكرية والإعلامية ومن الشهادات المهمة التي تلت وفاته نورد مقتطفات من
شهادتين أولاهما لمستشرقة ألمانية معاصرة مهتمة بفكره ولها الكثير من الدراسات حوله
وتدعى أورسولا غونتر(
Ursula Gunther) حيث صرحت بعد وفاته قائلة:''..كان
مثقفا متميزا وإنسانيا في العمق، ومحاضرا وأستاذا منخرطا، وكان يشعر بأنه قريب من كل
ما من شأنه فتح طرق جديدة للفهم، فكان حقا مثقفا ثائرا، والعالم الإسلامي كما الغربي
افتقد مع هذا التنويري ليس فقط إنسانا ذا مبادئ، لكن أيضا صوتا لا يعوض حدد لمه طرق
التفاهم والتكامل بدل الصراع''.



الشهادة الثانية هي لمفكر من طراز أركون وسبق له
وأن درس معه بباريس وهو حسن حنفي الذي ذكر بأن معرفته بأركون تعود إلى فترة الستينات
من القرن المنصرم وكان لقاءهما الأول عند الأستاذ الذي أشرف على كليهما وهو روبير برانشفيغ،
حيث وصف أركون بأنه كان''دمث الأخلاق لدرجة الانطواء على الذات، يفكر ويتأمل حيران
يتساءل عن نقطة البداية''، يضيف حسن حنفي مبينا موقع أركون وفكره بالنسبة للفكر الغربي
والإسلامي على السواء قائلا: ''ينتظر منه الغرب مفكرا غربيا انسلخ من تراثه، ولكنه
يكتشف فيه محاورا نديا له، ينقد الذات كما ينقد الغير، فريد في بحثه، أصيل في منهجه،
قاس في نتائجه، بين بحثه والبحوث الأخرى فرق نوعي، يتكلم كأنه يخاطب المستمعين كما
يفعل كبار الدعاة بل والأنبياء، يريد إبلاغ رسالة، يؤثر في الكل، بل ويقنع الكل بقوة
حججه ووضوحها، يتكلم ببطء حتى يطلب المستمعون المزيد(..)هو نموذج لمفكر عربي حمل همه
في عقله واجتهد حتى ولو أغضب دعاة الاجتهاد.''



هذه الشهادة الصادرة من أحد أقطاب الفكر العربي
الإسلامي المعاصر تعبر بحق عن المكانة المتميزة التي يحتلها المشروع الفكري الأركوني،
والتي تجعله جديرا بالدراسة والبحث والتحليل لأصوله وأبعاده ونتائجه وأوجه تميزه، فما
هي المرجعية الأساسية للفكر الأركوني؟ بعبارة أخرى هل يتأسس المشروع الفكري الأركوني
على مبادئ وأفكار إسلامية المصدر والمنبع؟ وما موقفه من الفكر الإسلامي؟ هذا ما سنحاول
مقاربته من خلال التطرق لعلاقة الفكر الأركوني بالتراث الإسلامي الكلاسيكي في ثلاثة
مباحث نناقش فيها علاقته بعلم الكلام والأدب والفلسفة الإسلامية، والبداية ستكون ببحث
موقفه من علم الكلام وتحديدا موقفه من إحدى أبرز الفرق الكلامية التي عرفت في الفكر
الإسلامي وهي فرقة المعتزلة، التي اشتهرت بإعطائها مكانة متميزة للعقل وما يترتب عن
ذلك من قول بتأويل النصوص وبالحرية والتكليف..الخ، كما اشتهرت بنظريتها القائلة بخلق
القرآن، وهي النظرية التي كثيرا ما يتحدث عنها أركون ويشيد بها، فما حقيقة موقفه من
المعتزلة خاصة فيما يتعلق بنظرية خلق القرآن؟ ذلك ما سيحاول المبحث المقبل الإجابة
عنه.



للبحث مراجع

_________________

يقول هيدجر Heidegger إن هدف السؤال \"هو الولوج داخل الفلسفة والإقامة فيها والتصرف وفقها، أي التفلسف\" ؛ فالسؤال يحتم علينا أن \"نتحرك داخل الفلسفة، عوض أن ندور حولها\"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
حياة محمد أركون: رحلة تفكيك السياجات الدوغمائية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: ๑۩۞۩๑ مقهى الفلسفة ๑۩۞۩๑ :: قناديل فلسفية-
انتقل الى: